في مثل هذا اليوم منذ سنة مضت، تلاقت طرائقنا على غير ميعاد. سبع سيدات كنا، جمعتنا ليلة متوترة صبت أحداث عنيفة سبقتها في أعماق قلوبنا، فتركتنا بكثير من الألم وقليل من الأمل، وكان هذا القليل كل ما نحتاج. سرعان ما قررنا، بعد أن وجدت كل منا في الأخريات إيماناً يماثل إيمانها وأهدافاً تنسجم وأهدافها وأحلاماً تستحيل استحالة أحلامها، أن نصنع من الإيمان حائطاً نستند إليه، ومن الأهداف أحصنة ننطلق على ظهورها، ومن الأحلام واحة نبتغي الوصول إليها، ونختار الإيمان الحقيقي بوجودها. انطلقت مجموعتنا، مجموعة 29، يوم 25 مارس 2012، وقودها شعور غرائزي بالتعاطف والتواصل الإنسانيين، وقود لا يكلف الكثير للحصول عليه، إلا أنه الأقوى للدفع بمركبة العمل حيثما تنطلق. كانت المجموعة متنفساً لنا على قدر ما كانت قاعدة صلبة للعمل والانطلاق، فبعد أن كنا متناثرات، ترعى كل منا مشاعر الغضب والإحباط منفصلة عن زميلاتها، جاءت المجموعة لتحوط علينا. إحباطات اليوم كانت تنقل إلى المجموعة، والتي سرعان ما كانت تشكل منها مادة للعمل، فكنا، ما إن ننتهي من نقل غضبتنا والتعبير عنها حتى ننتقل للخطوة التالية مباشرة، ماذا سنعمل بشأن مصدر الغضب؟ هل نترك الإحباط يأكل طاقتنا؟ كيف نوظف مشاعرنا ونمنع عنها الوصول إلى الإحباط؟ وسرعان ما تولد فكرة ويظهر مشروع جديد. من هنا انطلقت رحلتنا، رحلة تبدأها فلا يمكن أن تعود عنها، إنها رحلة تصنعك وتغيرك وترسم مجرى حياتك.


وهكذا كان أن غيرت الرحلة مجرى حيواتنا. انطلقنا في البداية للتعريف بقضية المجموعة الأولى، قضية انعدام الجنسية في الكويت، أو قضية البدون، فجاءت الندوات التي قدمت القضية من جوانب مختلفة، مثل ندوة “مبدعون بدون”، والتي أبرزت الجانب الإبداعي للمجتمع البدوني متمخضاً من رحم الأسى والمعاناة. انطلقت بعدها المجموعة في حملة تتعامل مع الجانب الذي نعتقده الأهم والأخطر ألا وهو الجانب التعليمي، فكان أن انطلقت حملة “التعليم حق” والتي كان أول نتاجها استحضار أبنائنا المتفوقين البدون لذهنية المجتمع، هذه الطاقة البشرية الرائعة التي تخسرها الكويت سنة بعد سنة، وها هم اليوم، بعد الخطوات الأولى للحملة وحملات أخرى مشاركة في وقتها، يجلسون في مقاعدهم في جامعة الكويت ومؤسساتها التعليمية الأخرى، كما يجلسون في مقاعدهم في الجامعات الخاصة التي شاركتنا الحملة مشكورة تعبيراً عن شعور أخلاقي رائع بدور هذه المؤسسات المجتمعي ومسؤوليتها التعليمية المبدئية بعيداً عن المكسب المالي. كما قدمت المجموعة تقريراً حول انتهاكات حقوق الطفل خصوصاً الطفل البدون، إلى لجنة حقوق الطفل التابعة لمجلس حقوق الإنسان الموازي للأمم المتحدة وذلك في جنيف، وقد كان لهذا التقرير صدى طيب محلياً وعالمياً من حيث تفعيل الأدوات المناسبة لإنهاء معاناة الطفل البدون في الكويت.
اليوم لسنا إلا بعيدين عن هدفنا الأساسي في المساواة الإنسانية الكاملة والعدالة الاجتماعية والاستكمال الحقوقي، إلا أننا أبعد ما نكون عن اليأس أو التعب، فما العقبات إلا محفزات، وما الإخفاقات سوى لحظات مراجعة وإعادة ترتيب للصفوف. وبمناسبة عيد ميلاد المجموعة لسنتها الأولى، تتقدم بمشروعها الأكبر الذي كنا نعمل عليه لربما من أيامنا الأولى، ففي منتصف شهر أبريل القادم، تقيم مجموعة 29 مؤتمرها الأول لعديمي الجنسية في الكويت والذي سيتعامل مع “الحالة والحل” وذلك على المستويين المحلي والعالمي. تهدف المجموعة إلى تقديم إيضاحات حقيقية وموثقة لحالات انعدام الجنسية في الكويت متبوعة بتوصيات حقيقية وقابلة للتنفيذ للحل المأمول على أن تأتي كل هذه التوصيات بحلول من معاهدات واتفاقيات وقعت وصادقت عليها الكويت، مما يحمل حكومتها مسؤولية التنفيذ لبنود هذه الاتفاقيات التي تأخذ قوة القانون بعد التوقيع. تهدف المجموعة من هذا المؤتمر إلى تحقيق إجماع من المجتمع الكويتي، المدني والسياسي والحكومي، على حلول حقيقية وفاعلة وقابلة للتنفيذ، مصحوبة بخطة زمنية لا يحاد عنها، كما ترمي إلى تحقيق إجماع من المجتمع الدولي على خطورة وضع انعدام الجنسية في العالم أجمع، تأكيداً على أن “الانتماء” هو حق إنساني، واغتياله هو جريمة في رقبة المجتمع الدولي بأكمله.
العمل كثير والطموح كبير والأحلام ممتدة، إلا أننا ندرك أن التغيير يبدأ بحلم، حلم مجنون، يؤمن به صاحبه، يتمناه في مناماته كل يوم، يناديه ويناجيه، إلى أن يصبح حقيقة في حياته. ونحن، في مجموعة 29، نؤمن تماماً بحلمنا المجنون، نناظر مستقبلاً تستتب فيه العدالة الانسانية، ونتشوق أياماً تعلو فيها المبادئ على المصالح، وننتظر زمناً تعتدل فيه القامات فتقف فيه للإنسان لا فوقه.
سنة مضت، ونأمل نحن في القادم بعدها، إلا أننا ننتظر المجتمع الكويتي بأكمله، مجتمعنا المدني الإنساني الصادق الذي نؤمن به، أن يقف، كما اعتدناه ودوماً نتمناه، مواجهة للظلم ومساندة للحق والعدالة والمساواة.

د. ابتهال الخطيب

Leave a Reply